الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٤لا يليق بكلام الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة، إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، ثم قال: «فهذا هو الإشارة إلى تعلق هذه الآية بما قبلها. .» (1)، وقد أتى ابن عاشور نفسه بمعنى ما قاله الفخر.
وبالجملة فإن الآية رادة على استنكارهم ضرب الأمثال في القرآن سواء كان استنكارهم لمطلق الأمثال، أم للتمثيل بالمحقرات، فإن القرآن جار على سنن الكلام العربي، وضرب الأمثال شائع عند العرب، وهو مما يزيد المعاني رسوخا في الأذهان وانكشافا حتى تتجسد كالصور الماثلة للعيان، ومثل كل شيء بحسب حاله، فالعظائم تمثل بالعظائم، والمحقرات بالمحقرات وذلك لا يشين الكلام، ولا يحط من قدره، وإنما استنكر أمثال القرآن من استنكرها من الحاقدين لأن شأن المبهوت الحائر الذي انقطعت به الأسباب واستعصت عليه الحيل أن يتشبث بأي شيء، شأن الغريق في البحر الذي يمد يده لا إلى شيء غير الأمواج التي ترديه، وأولئك أغرقهم القرآن في خضم بيانه، وأصماهم ببوارق ججه، فلم يجدوا إلا أن يستعوجوا المستقيم، كمن ينكر ضياء الشمس في رابعة النهار، ويحاول أن يلبسها بوهمه رداءً أسود ليخفي نورها عن الأبصار:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
1 - مفاتيح الغيب، حـ 1 ص 131، 132، الطبعة الثانية.
- 484 -