جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٨٢

وحده، فكل حرف من حروفه تسري فيه هذه الروح الغيبية فتجعله نابضا بحياة لا توجد فيه لو أزيل من موضعه ووضع في أي موضع من كلام بلغاء البشر، وبهذه الروح التي يتميز بها القرآن ملأ قلوب العرب سر إعجازه فكان هذا الإعجاز راسخا في قرارة كل نفس من نفوسهم وإن أنكروه بأطراف ألسنتهم وكان هذا الإحساس لا ينفك عنهم، فلو حاولوا أن يأتوا بأي كلام آخر ليعارضوه به لشعروا بذلك الإحساس يسد عليهم مسالك التعبير، ولو استطاعوا ترتيب المعاني الذهنية في نفوسهم بعمق تصورهم وسعة خيالهم لخانتهم ألسنتهم وتعثرت في نهج البيان، وإذا عجز العرب ـ الذين كان البيان سجية من سجاياهم - عن معارضته، فمن بعدهم من المولدين أوغل في العجز وإن تعمقوا في دراسة سر البيان واستجلوا لطائف التعبير إذ ليس التطبع كالطبع ليس التكحل في العينين كالكحل».

-

ولو حاولوا ذلك لبدا لهم عجزهم من حيث يتخيلون قدرتهم فلو اشتغلوا بالحروف ينظمونها مع رعاية مخارجها ونبراتها وإيحاءاتها لفاتتهم المعاني وجاءوا بكلام لا يجدون له معنى ولو اشتغلوا بالمعاني وتحرروا من التقيد بأسلوب القرآن لوجدوا الطباع نافرة عن تقبل ما يقولون مع العلم أن الكلام البليغ لا يوجد في فقرات قصيرة إلا في بعض الأمثلة التي تُضرب وتأثير هذه الأمثلة على النفس موقوف على شرحها وبيان المناسبات التي قيلت فيها، وأين ذلك كله من كلام الله الذي تجد الفقرة منه تغوص في أعماق النفس فتمتلك لبها بمجرد وصول حروفها إلى السمع.

ولم أكن أظن أحدا من الناس وإن غلظ طبعه لا يحس بالفارق بين القرآن وغيره إذا تليت آية منه في وسط أي كلام مهما بلغ من شأو في

- 76 -