الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٣حسن التركيب وجزالة المعنى، وقد سمعت أن امرأة أوروبية لاتفقه العربية أصغت إلى خطيب عربي كانت تتخلل خطبته آيات القرآن فأخبرت من الخطيب أنها شعرت بكلام من غير جنس كلامه يتخلل عباراته فأخبرها أن القرآن، وما أعجب إلا من حال الذين حرموا من هذا الذوق فلا
ذلك هو
يحسون بالفرق بين القرآن وغيره مع معرفتهم باللسان العربي وانطلاق ألسنتهم
به
من دلائل الإعجاز في التعبير القرآني
ومن دلائل الإعجاز في عبارة القرآن تميزه عن غيره من الكلام البليغ بكثرة الإحتمالات، فإن كلام البشر كلما كان أبلغ كان أدل على المطلوب وأبعد عن الاحتمالات، ولكن القرآن بما أنه صوت الغيب الموجه إلى مسامع الدهر يعى كل زمن من أزمنة الدهر من معانيه بقدر ما يكون فيه من مقاييس الفكر وتطورات العلم ومن ثم تجد الإنسان في كل عصر يشعر إذا تلا القرآن أن حقائقه تتجلى أكثر ما تتجلى في العصر الذي هو فيه، فتجد الأعرابي البدائي الذي ما كان يتخيل المراصد الجوية ولا درس شيئا من الهيئة الكونية إذا تلا قول الله تعالى {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الليلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبحُونَ رس 37 - 29) يتصور منه
وريس /
المعاني التي تنطبق على فكره، ويتسع لها أفقه العلمي، كما تجد عالم الفلك الذي يستعين بالآلات المستحدثة المتنوعة على مهمته العلمية يتصور أن هذه الآيات ما جاءت إلا لتخاطب عقله وعقول نظرائه من العلماء الباحثين، ومثل هذه الآيات قول الله تعالى {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُجًا وَجَعَلَ
- VV -