جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٦

الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) (1)، لأن كثرتهم معنوية وليست عددية، ولذلك أمر الله بادئ الأمر أن يثبت الواحد منهم للعشرة من أعدائهم، ثم خفف عنهم فأمرهم أن يثبتوا لضعف عددهم أو لأنهم كثيرون في حقيقتهم وإن كانوا قلة بالنسبة لأعدائهم، ومن أمثلة الوجه الأول قول الشاعر:

إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا وقول الآخر:

تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل وبناء على رأي من يقول إن هاتين الجملتين من قول الكفار فهما داخلتان في ضمن ما استنكروه، ومعنى ذلك أنهم استنكروا ما في المثل من تفريق الناس إلى طائفتين ونسبة الهداية إلى طائفة والضلالة إلى أخرى.

وقد أبعد ابن عطية النجعة حيث أجاز أن يكون «يضل به

كثيرا من قول الذين كفروا، ويهدي به كثيرا» من قول الله ردا

عليهم، واستبعد ذلك غيره من المفسرين، وما أحراه بالاستبعاد

والباء في الموضعين للسببية، ومعنى كون المثل سببا للهداية والضلال أن أصحاب النفوس الصافية والفطرة السليمة لا يرون فيه ما يعاب ويستنكر فيتلقونه بالقبول ويدركون أبعاده، فإن كانوا على

1 - سورة (ص): الآية (24)

-847 -