جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥١٣

الخطاب على أسلوب الإلتفات وإنما رأى الرابط بين الخطابين مناسبة اتحاد الغرض بعد استيفاء ما تخلل واعترض، وذكر من بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات اتحاد العلل التي قرن الله بها الأمر بعبادته في قوله: يا أيها الناس اعبدوا ربكم .. إلى آخره، وقرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر في قوله هنا: كيف تكفرون بالله) حيث قال هناك: الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء .. (الآية)، وقال هنا: وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء .. ) (الآية). وبالغ في إنكار أن يكون اليهود هم المخاطبين هنا نظرا إلى أنهم لم يكفروا بالله ولم ينكروا الإحياء الثاني، ولذلك رأى تعين أن يكون الخطاب للناس وهم قريش (1).

ولم يتضح لي وجه قوله، فإن عود الخطاب في قوله: «كيف تكفرون» إلى الناس المخاطبين في قوله: «يا أيها الناس» بعد العديد من الآيات التي خرجت عن الموضوع لا يتلاءم مع ما عهد من انسجام عبارات القرآن، وترتب كلماته وتناسب آياته، وما الداعي للمصير إليه مع إمكان خلافه، فإن التقريع موجه إلى الكفار في الآية بعد ما ذكر عنهم من إنكار ضرب المثل، والتسجيل عليهم

1 - التحرير والتنوير حـ 1 ص 373، الدار التونسية للنشر.

- 513 -