الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٦2 ـ الإعجاز التشريعي
النبي العربي الأمي صلوات
التشريع القرآني لم ينتج عن فكرة أو تجربة لقد أنزل الله القرآن على محمد بن عبدالله وسلامه عليه في بيئة أمية وعلى جزء من جزيرة العرب لم يمتد إليه شعاع
الله
الحضارة، ولم تقم على ترابه دولة، ولم يخضع لسلطة خارجية فكانت هذه البقعة بالذات أبعد بقاع جزيرة العرب عن معرفة نظام الحكم ومناهج التشريع، والنبي علا الله الذي أكرمه الله باصطفائه لهذا الأمر العظيم لم يكن يخطر بباله البحث عن الشئون السياسية، ولا المناهج الاقتصادية، ولا دراسة علم النفس، ولا أي ناحية من النواحي التي تتصل بحياة الناس، وإنما كانت نشأته كنشأة عامة شباب قريش من هذه الناحية، وقد كان منطويا على نفسه لا يطمح إلى الظهور، ولا يتطلع إلى منصب ولذلك لم يكن يشارك فصحاء العرب من الشعراء والخطباء في مجامعهم بسوق عكاظ أو غيره ليتألق كوكبه في أفق البيان شعرا أو نثرا، ولم يكن مهتما بالمنافسة في الوسط الذي يعيش فيه، فلذلك لم يكن يشترك في مجالس الشورى التي صلى الله تعقد في دار الندوة بمكة إلا بالحضور والإنصات، اللهم إلا ما كان منه من مشاركته في حلف الفضول الذي كان يعتز به في الإسلام ويصفه بأنه أحب إليه من حمر النعم، ويعلن أنه لو دُعِي إليه لأجاب، كل هذه النواحي تثبت لنا استحالة كون التشريع القرآني ناتجا عن فكره أو صادرا عن تجربته، فإنه من المعروف في تاريخ التشريع البشري أنه يحتاج إلى سلسلة من التجارب والدراسات في أحوال الناس النفسية والاجتماعية، كما يحتاج إلى أن
تتضافي عليه جهود ذوي الخبرات المتنوعة.
كانت