الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٨٧فالتشريع الروماني مثلا هو وليد تجربة دامت زهاء ثلاثة عشر قرنا وقد
، مع
تضافرت على صياغته وإخراجه جهود كثير من النبغاء والمفكرين منهم (سولون) الذي وضع قانون أثينا (وليكورغ الذي وضع نظام أسبرطه فأنى لعربي نشأ في أرض الحجاز بين الأميين أن يضع في ظرف عقد من السنين نظاما تقوم عليه حياة الإنسان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أن كل التشريعات البشرية لا تكاد تمر عليها فترة من الزمن حتى تتكشف عن ضروب من الخلل فتفتقر دائما إلى التبديل والتعديل، ولو أخذنا نقيس التشريعات التي سبقت في الوضع نزول القرآن أو التي أحدثت بعد نزوله بالتشريع القرآني لرأينا تعذر المقارنة بينه وبينها. ولو جازت المقارنة بين الذبالة والغزاله أو بين الضريح والضراح، وكيف تمكن المقارنة بين ما كان من قبل الله الذي يعلم خفايا الطبائع كما يعلم ظواهرها وبين ما يكون من مخلوق عاجز لا يحيط علما بضرورات نفسه وما سيحدث من أطوار حياته فضلا عن الإحاطة بضرورات جميع البشر وأطوار حياتهم، ولعمري إن نظرة يلقيها العاقل على البيئة التي نشأ فيها رسول الله الله تعود إليه باليقين القاطع بتعذر أن يضع الإنسان الناشيء فيها نظاما الأنظمة البشرية سواءًا كان إجتماعيا أو سياسيا أو من إقتصاديًا فكيف بتشريع محكم دقيق يتناول هذه الجوانب كلها بل يتناول المشاكل الإنسانية المعاصرة وغير المعاصرة مما تفرزه التطورات المتتالية إلى أن تقوم الساعة بحلول شاملة عميقة الأثر لا تقف عند ظواهر الأمور فحسب، بل تأتي على كل مشكلة من أصلها لأنها تغوص إلى أعماق فطرة الإنسان مراعية جميع خصائصها كما تراعى طبيعة الكون الذي جعل الله فيه مباءة للإنسان والعلاقة التي بين طبيعة الكون وفطرة الإنسان الذي هو محور التشريع، ومن مراعاة هذه الفطرة إعطاء كل نوع من الجنس البشري أحكامه التي تلبي ضروراته، وتنسجم مع خصائص تكوينه، فإن حكمة الله قد
- 81 -