الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٢٨إلى قوله:. . ثم كان من الذين آمنوا. . (الآية)، وهو يقتضي أن المعطوف أكد وأهم مما تقدمه، وهذا شائع في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد:
جنوح رفاق عندل ثم أفرعت لها كتفاها في معالى مصعد
وقول الآخر:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها ويسمى هذا بالترتيب الرتبي وبترتب الإخبار، ولأجل شيوعه صار كالحقيقة حتى قال من قال بأنه هو الأصل في عطف الجمل بثم، ومن الذين اعتمدوا على هذه القاعدة في الجمع بين ظواهر هذه الآيات المذكورة الإمام ابن عاشور، وقد أطال في تحريرها وإيضاح مبهمها، وتفصيل مجملها بما لم يسبق إليه، ومن يرد إحراز هذه الفوائد فليرجع إلى تفسيره (2)
وبالجملة فإن العطف بثم في هذه الآية إما لأن المعطوف عليه أجدر بعناية السامع، فإن تسوية السموات على عظمها أعظم من خلق الأرض، فإنها لو قيست بسعة الفضاء الفسيح وما يسبح في خضمه من الأجرام الهائلة لما كانت إلا كالذرة المهينة العائمة في عباب الهواء، وإما للانتقال من التذكير بنعمة معلومة بدهيا، وآية شاهدة للعيان، وهي خلق الأرض لنا إلى نعمة وآية يحتاج العقل إلى
1 - سورة البلد: الآيات 110 - 17
2 - التحرير والتنوير حـ 1 ص 382 - 384، الدار التونسية للنشر
- OYA -