الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٣فإن من شأن الاستخلاف أن لا يتجاوز الخليفة الحدود التي رسمها له من استخلفه، وأن لا يخرج عن إطار وظيفته، ولا ريب أن الأرض أرض الله، وما فيها هو ملكه، والناس المستخلفون ما هم إلا وكلاء وأمناء من قبله تعالى، لا يحق لهم أن يتصرفوا مطلق التصرف فيها وكلوا فيه وائتمنوا عليه بل يلزمهم أن يرجعوا كل شيء إلى حكم مالك الأمر الذي حملهم هذه الأمانة، وشرفهم باختيارهم لها، وهذا الذي يوحيه قوله تعالى في المال: وأَنْفِقُوا لِمَا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه) - الآية 7 سورة الحديد - وقوله: وآتُوهُم مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم - الآية 33 سورة
النور -.
ولئن قيل ما هي الفائدة من إعلام الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة مع أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا راد ولا معقب لحكمه، ولا تبديل لكلماته، وهو غني بواسع
لقضائه،
علمه عن آراء خلقه؟
فالجواب عن هذا السؤال انه سبحانه أراد أولا تعريفهم بقيمة هذا النوع من الخلق، وفضله على من عداه بما اختصه الله تعالى به، ورفع ما عسى أن يحدث في صدورهم من الحيرة والاستغراب بسبب تكريم الله لهذا النوع بتبوئته هذا المقام، فإنهم لو فوجئوا بوجود الإنسان على عرش الخلافة ما يعلمونه في طبعه من النقص لكان ذلك داعيا مع
- 23 -