الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢وقد سبق معنى الإفساد وهو هنا شامل لجميع المعاصي فإنها إما
مضرة بالنفس أو بالغير، وذلك مناف لما تتطلبه الخلافة من التعمير الحسي والمعنوي للأرض، وعطف سفك الدماء عليها من باب عطف الخصوص على العموم لبيان جدارته بالاهتمام والعناية، كما في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوسطى - الآية 238 سورة البقرة - وهذا أولى من تفسير بعضهم الإفساد بالشرك، وجعل سفك الدماء رمزا إلى المعاصي العملية لأنه أفحشها، والسفك الصب والإراقة كالسفح، وإنما يستعمل السفك في إراقة الدم دائما، والسفح يكون غالبا في الدم، وقد يكون في غيره، ولا يدل قولهم هذا على عدم عصمتهم من الذنوب، فإنهم كما علمت ما أرادوا إلا الإطلاع على حكمة الله من وراء هذا الأمر، وقد فهموا أنهم مطالبون بأن يفصحوا عما في قرارة نفوسهم والمستشار مؤتمن فلم يجدوا مناصا عن القول الذي
قالوه. والواو في قولهم ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ للحال، وقد صدرت هذه الجملة من كل الملائكة الذين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ - الآية 30 البقرة ـ خلافا لما حكاه أبوحيان في البحر عن صفي الدين أبي عبدالله الحسين ابن الوزير علي بن أبي منصور الخزرجي أنه قال في كتاب فك الأزرار «ظاهر كلام الملائكة يشعر بنوع من الاعتراض وهم منزهون عن ذلك، والبيان أن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين، وكان إبليس مندرجا في جملتهم،
- 32 -