الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٣عن الملائكة
فورد منهم الجواب مجملا، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه وظهور إبليسيته واستكباره انفصل الجواب إلى نوعين، فنوع الاعتراض منه كان عن إبليس، وأنواع الطاعة والتسبيح والتقديس كان فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كل جواب من ظهر عنه. وقد أعجب هذا الكلام أبا حيان فقال فيه: وهو تأويل حسن، وشبهه بقوله تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) (الآية 135 (البقرة لأن الجملة كلها مقولة والقائل
نوعان، فرد كل قول لمن ناسبه» (1)
وقد حكاه أيضا الألوسي في تفسيره ولم يتعقبه إلا بقوله: «وهو
تأويل لا تفسير» (2) بعدما نسبه إلى الغرابة
وما أجدر هذا الكلام بالاستغراب! فإن الجملة الحالية مرتبطة بما قبلها بحيث لا استقلالها دونها لفظا ولا معنى، فلا يتأتى أن تكون يصح وحدها جوابا ممن صدرت عنه لقوله تعالى: إنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ
خَلِيفَةٌ)
يصح
طائفة
، وقد حكاها الله مع ما قبلها عازيا ذلك كله إلى الملائكة فكيف لنا أن نعزو بعضه إلى طائفة وبعضه إلى طائفة أخرى؟ وانفصال عن طائفة بعدما كانت مندرجة فيها لا يسوغ فصل الكلام الصادر منهما معا قبل الانفصال، ولا يصح أن يناظر ما هنا بما في قوله تعالى: وقَالُوا كُونُوا هُوداً أوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا الجواز استقلال كل واحدة من طائفتي اليهود والنصارى بالدعوة إلى ملتها وذلك هو الواقع والمراد من
(1) البحر المحيط ج 1 ص 143 - 144، مكتبة ومطابع النصر الحديثة
(2) روح المعاني ج 1 ص 223 - دار احياء التراث
- 33