الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨١باطل من تنازع في نفسه بين دواعي الخير ودواعي الشر - وهي خواطره المترددة - إلى أن يترجح أحد الجانبين فيقدم على الفعل أو الترك في الأمرين، وأجاز أن تسمى الخواطر الخيرية باسم الملائكة لأن التسميات
لا حجر فيها على الناس، فكيف يُحجر على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ، والعلم الواسع؟ وذكر السيد رشيد رضا عقب كلامه هذا أن الإمام الغزالي سبق إلى بيان هذا المعنى وعبر عنه بالسبب، وقال إنه سمي ملكا، وذلك أنه بعدما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم قال: ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث، ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب، هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب، فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا، والذي يتهيأ به لقبول الشر يسمى إغواء وخذلانا، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة» (1)
والفرق واضح بين كلام الغزالي هذا وكلام الإمام محمد عبده، فإن الغزالي لم يزد على أن خواطر الخير تكون بإلهام الملائكة فإنهم يتولون بأمر الله إلقاءها في نفس الإنسان، وخواطر الشر من أمر الشيطان،
(1) المصدر السابق، ص 268 - 269
- 81 -