الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٩١وأصحابه حضور بين يديه في صورة رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة وأخذ يسأله عن أركان الإيمان، وروى الربيع والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سأل الحارث ابن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيُفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»، ففي هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة وأمثالها ما يكفي العاقل حجة على استقلال ذوات الملائكة وعدم كونهم قوى متلبسة بسائر الذوات، وهي صريحة في تشكلهم متى أرادوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدل قوله: «لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين .. إلى آخره» على أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرى جبريل عليه السلام في سائر المرار في صورة أخرى يتمثل بها لتقوى نفس النبي صلى الله عليه وسلم على إبصارها، وهو الذي صرح به حديثا الإيمان والوحي، بل صرح القرآن بتمثل جبريل في صورة إنسان في قوله
تعالى حاكيا قصة مريم: وإذ أرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (مريم: 17)، أما كونهم أجساما نورانية فيمكن أن يُستدل له بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند مسلم أن الملائكة مخلوقون من نور، ومثل ذلك مثل خلق إبليس والجان من نار المنصوص عليه في قوله تعالى حاكيا عن إبليس: خلقتني من نار وخلقته من طين (ص: 76)، وقوله: والجان خلقناه من قبل من نار السموم (الحجر: 27)، وقوله: وخلق الجان من مارج من نار (الرحمن: 15)، والنور
-41 -