الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١١٦عنه،
وما أسخف هذا القول، فإن الخمر إنما حُرمت لإسكارها لا لكونها من العنب، ولو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان العنب نفسه قبل استحالته خمرا أجدر بالتحريم، ولكان عصيره حراما ولو لم يسكر، ومن المعلوم أن الخمر ما خامر العقل، فيحرم كل مطعوم أو مشروب هذا شأنه مهما كان أصله، ولعمري إن هذا الإختلاف ليس منشؤه إلا تصديق أهل الكتاب في دعاواهم الكاذبة والثقة بأقوالهم في تفسير كتاب الله، وما عُزى إلى الصحابة من ذلك لا يصح عنهم، وقد أغرب قطب الأئمة - رحمه الله - في قوله إن ما رُوي عن الصحابة في مثل هذا له حكم المرفوع إذا صح، وأني تثبت الصحة مع هذا الاختلاف، وقد علمت مما سلف في مقدمة التفسير أن أقوال أهل الكتاب كان لها أثر على آراء بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تفسير ما لا يتعلق بالعقيدة والأحكام من أي الكتاب، وإن كان أثر ذلك في تفسير التابعين أكثر بكثير، فكيف يصح مع ذلك أن نُعطي ما يُروى عنهم حكم الرفع وإن ثبتت نسبته إليهم، وقد أبعد بعض المفسرين النجعة فزعم أنها شجرة العلم والصبغة اليهودية بادية على هذا القول، فإن اليهود هم الذين يقولون بأن منشأ طرد الإنسان من رحمة الله، وإقصائه عن دار كرامته أكله من شجرة المعرفة التي ميز بها بين الخير والشر، وإن عجبت فإنني أعجب ممن يتقبل ذلك عنهم ويُؤَثره في تفسير كتاب الله والقرآن نفسه ينادي بأن فضل الإنسان إنما كان بالعلم الذي فضل به على الملائكة
حتى أمروا بالسجود له.
-117 -