الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤-
284
صح
لم يحب أن يكسب شيئاً، فلما استحال أن يكتسب الفعل إذ لم يكن استطاعة أن الكسب إنما يوجد بوجودها، وفى ذلك إثبات وجودها مع الفعل. نمان قال قائل أليس في عدم الحارحة عدم الفعل؟ قيل له في عدم الحارحة عدم الاكتساب لأنها إذا عدمت القدرة فبعدمها استحالة بكسب الاكتساب لعدم القدرة ولا لعدم الجارحة إذا وجدت وجد الاكتساب، فلما كانت توجد ويقارنها العجز وتعدم القدرة فلا يكون كسب، علم أن الاكتساب إنما يعدم لعدم الاستطاعة لا لعدم الجارحة. وقال تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع) (1) وقد أمروا أن يسمعوا الحق وكلفوه فدل ذلك على جواز التكليف وإن لم يقبل الحق ويسمعه على طريق القبول لم يكن له مستطيعاً.
فصل
الله عز وجل خلق الإنسان خلقة لا يستطيع أن يمنع منها، خلقه غير ممتنع من حركة أو سكون ولا يخلو من أحد يهما أبداً حتى يموت، فالمتحرك لا يكون ساكناً والساكن لا يكون متحركاً وهذا ما لا يكون، ولا تخلو العبد أن يكون متحركاً أو ساكناً بخير أو شر. فاذا كان الخير فلا سبيل له إلى الشر لشغله
•
بفعل الخير وإذا كان في الشر فلا سبيل له إلى الخير لشغله بفعل الشر ولسنا نقول إنه لا سبيل له إلى الخير والشر على جهة الخبر وإنما نقول إنه لا يستطيع إلا فعل ما هو فيه لأنه لم يخلق خلقه يستطيع أن يكون فاعلا تاركاً، ولا طائعاً عاصياً، ولا قاعداً قائماً، ولا قابضاً، باسطاً، ولا آخذاً تاركاً في حالة واحدة، وهذا لا يصح وإنما خلق يستطيع أن يكون قائماً في حال قيامه أو قاعداً في حال قعوده لا يستطيع أن يكون قائماً قاعداً معاً، كذلك خلقه الله عز وجل فهو يفعله في إحدى الأمرين |217 غير مستطيع الآخر لأنه مشغول بأحدهما عن الآخر. وزعم أهل القدر أن الله خلقهم متحركين غير ساكنين وقالوا إن كل أمورهم حركة لا سكون فيها، ولو كان ذلك كذلك لم ينه عباده عن شيء من الحرام ولا عن ركوبه ويأمر بأداء حدوده، ولم يكن يقل للمؤمنين
(1) سورة هود: آية 20.