الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٥هه
(فصل)
قال معاذ بن جبل (1) رضي الله عنه سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون ثم بكى فقلنا ما يبكيك يرحمك الله؟ فجثى على ركبتيه، فقال أوصانى حبيبى وقرة عينى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب العلم وتعليمه، فقال لى: «يا معاذ طلب العلم عبادة والتفهم فيه خشة وذكره تسبيح، وعلمك العلم لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لمن يعمل به قربة إلى الله سبحانه وتعالى، يا معاذ تعليك بالعلم فإنه الأنيس في الوحشة والصاحب في الغربة 24 | والمحدث في الخلوة، يا معاذ العلم زين عند الاخلاء وسلاح عند الأعداء، يا معاذ رفع الله بالعلم أقواماً فجعلهم للخير قادة وأئمة هدى نقتبس من نورهم وتتبع آثار هم ونقتدى بأفعالهم، وننتهى إلى رأيهم، يا معاذ طلبة العلم تستغفر لهم الملائكة الكرام وتمسحهم بأجنحتها وتستغفر لهم حيتان البحار وسباع البر وكل وطب ويابس من خلق الله، يا معاذ عليك بالعلم فإنه نور
البصر من الظلمة، وحياة القلب من الجهل وقوة البدن من الضعف با معاذ العلم يبلغ العبد المنازل الرفيعة والدرجات العلى في الدنيا والآخرة: يا معاذ تفكر في العلم فإن التفكر فيه يعدل قيام الليل وصيام النهار. وبه يوصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، العلم إمام الخلق يلهمه الله عباده السعداء ويحرمه الأشقياء وفيه أكثر من هذا: و من كلام الشيخ رحمه الله: من طلب العلم لله لم يجز منه باباً إلا ازداد في نفسه تواضعاً وذلا والله خوفاً وفى الدين اجتهاداً ورغبة، ومن طلب العلم للدنيا والحظوة عند السلطان والناس لم يجز منه باباً إلا ازداد في نفسه تكبراً وعن طاعة الله توانياً وعلى العباد استطالة فليمسك عن هذا وليذكر حجة الله عليه:
(1) كان معاذ بن جبل أنصارياً من الخزرج ويكنى أبا عبد الرحمن، وهو أحد السبعين الذين شهدوا بيعه العقبة من الأنصار. شهد بدراً وحارب فى اليرموك. وأرسله الرسول عليه الصلاة و السلام إلى اليمن ليعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام. توفى في طاعون عمواس سنة 18 (الاستيعاب لابن عبد البر هل هامش الإصابة لابن حجر العسقلاني ج 3 ص 335 - 339).