الكشف والبيان محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي أبو عبد الله

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٧

فصل

ولما غاب موسى عليه السلام عن قومه أربعين ليلة عبدوا العجل من دون الله وهم في ذلك يزعمون أنهم خيرة الله وصفوته من عباده وأنهم أولياء الله من دون الناس، فقال الله نقضاً لقولهم: (يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين)، ثم قال: (ولا يتمنون أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) (1). وقال مخبراً عن قولهم: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان بنفق كيف يشاء) (2) وهم أبناء الأنبياء والرسل والملوك قد كان الله 153] اختارهم واصطفاهم وأتاهم لم ما يؤت أحداً من العالمين، فلق لهم البحر حتى ساروا فيه، ونجاهم من عدوهم فرعون وأورثهم أرضهم وأماكنهم، وخط لهم في الألواح التوراة، وشق لهم الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد كل أناس مشربهم، وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل الأنباء والرسل مع نعم كثيرة لا تحصى، فلما كفروا وبدلوا وغيروا عنه حين بدلوا نعمته وتركوا أمره وركبوا معصيته أن لعنهم وغضب

منهم

-

علم

فلم يمنعهم عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وفرقهم في الأرض وضرب عليهم الذلة والمسكنة وبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة. وقال الله فى كتابه العزيز: (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ((3). هؤلاء قوم موسى الذلة والهوان والصغار لما نبذوا كتاب الله وبدلوا نعمه أنزل بهم وتفرقوا واختلفوا وأخذوا بالهوى والبدع، وأطاعوا ملوكهم في معصية الله و آثروا الدنيا على الآخرة، وركبوا الشهوات وتركو اكتاب الله وراء ظهورهم

(1) سورة الجمعة: الآيتان 6، 7. (2) سورة المائدة: آية 64. (3) سورة البقرة: آية 211