الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٤454
الفَقْلة
الجزء الثاني: أصول الفقه الإباضي
العقاب لفاعل القبيح، وليس للعقل توصل إلى إثبات هذا الحكم، وإن بلغ في الكمال مبلغًا عظيمًا، فإن غاية ما يصل إليه العقل: إدراك حسن الحسن، وقبح القبيح، وإدراكهما أمر غير الحكم بهما، فإن معرفة الشيء غير الحكم به، فإنه ـ وإن أدرك أن هذا حسن، وهذا قبيح مثلا ـ فإدراكه ذلك ليس هو عين الحكم به، بل غيره، إذ المراد بالحكم به إثباته إثباتًا يترتب عليه الثواب والعقاب، وهذا أمر لا يدرك إلا من الشارع
606 الاحتجاج الإلزامي لثبوت الحكم للعقل
احتجت المعتزلة على ثبوت الحكم للعقل من طريق الإلزام بوجهين
الوجه الأول: قالوا لو لم يكن الحاكم العقل للزم إفحام الرسل.
بيان ذلك أنه لو قال الرسول لأحد من الناس انظر في معجزتي حتى
:
تعرف صدقي، فلو لم يكن العقل حاكمًا عليه بالنظر في المعجزة، لكان له أن يقول: لا أنظر في معجزتك حتى يجب علي النظر فيها، ولا يجب علي ذلك حتى أعرف صدقك.
وجوابه: أن ما ذكر من قول المفحم شرط لحصول العلم، لا شرط لثبوت الحكم، أي: فالنظر في معجزة الرسول إنما هو شرط لحصول العلم برسالته، لا لثبوت حكمه على من أرسل إليهم، فإن حكمه يثبت عليهم بظهور المعجزة على يديه، سواء نظروا فيها أو لم ينظروا، ولولا ذلك للزم عذر من
لم ينظر في معجزة الرسل إعراضا عنهم أو عنادًا لهم، وهو باطل إجماعًا.
الوجه الثاني: قالوا لو لم يكن العقل حاكمًا للزم تجويز ما كان ممتنعا من صفات الله تعالى فيلزم المحال، كتجويز الكذب والجهل، وصفات
(1) طلعة الشمس 360/ 2 - 362.