الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٤124
الفل
الجزء الأول: علم أصول الدين
فالإباضية يرون أن قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) ينفي أن ترى الأبصار ذات الله وعمل، وذلك يتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات؛ لعموم لفظها بـ «أل» الجنسية الاستغراقية، وهذا يتناسب مع نفي الإباضية الرؤية في الدنيا والآخرة تنزيها له تعالى عن صفات الخلق، مثل الشبيه والنظير واللون والجهة).
جسم،
:
وينكر الشقصي تبرير من قال: إن رؤية الله في الآخرة تعني المعرفة، فقد قيل: معنى الرؤية هي المعرفة إلا ما كان يدرك من جهة الأبصار، فذلك رؤية وأما ما سواه فالرؤية بمعنى المعرفة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَب الْفِيلِ) (الفيل: 1) و (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: 243] ومثل هذا في القرآن كثير. وكل ذلك معناه ألم تعلم ذلك؟ وتعرفه بالخبر الذي أخبرتك به؟ واللغة ناطقة وشاهدة بذلك.
وقد مدح الله نفسه فقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام 103، فمن زعم أن الأبصار تدركه في الآخرة، فقد زعم أن مدائح الله لا تزول في الآخرة، وهذا لا يجوز على الله تعالى، وقد نفى الله أن تدركه الأبصار، وأن يُرى جهرة؛ فهو: لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة.
ولا يجوز في حجة العقل: أن يُرى الله تبارك وتعالى جهرة بالأبصار؛ لأنه لا يخلو الناظر إليه من أن يراه في مكان دون مكان، أو يراه في كل مكان؛ فإن كان يراه في مكان دون مكان ـ فما فضل الخالق على المخلوق؛ إذا كان المخلوق في مكان دون مكان والخالق كذلك، وهذه صفة المحدود، والله
تعالى جل وعلا عن ذلك (2).
(1) المصدر السابق، ج 1، ص 345.
(2) الشقصي منهج الطالبين، ج 1، ص 327 وأيضا البسيوي: الجامع، ج 1، ص 359.