الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٥الباب الثاني: أصل التوحيد
الفقلة
125
وإن كان يراه في كل مكان - فالمخلوق إذن أعظم من الخالق إذ كان هو في مكان ينال بصره من أن يكون يراه حتى لا يخفى عليه منه شيء، أو يخفى عليه منه شيء؛ فإن كان لا يخفى عليه منه شيء إلا ويراه فقد أحاط به، والمحاط به صغير، والمحيط به أكبر منه، وإن كان يخفى عليه منه شيء فالذي خفي عليه غير الذي لم يخف، وهذه صفة المحدود، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.
وقيل: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أني أراه» (1).
وأما ما روي عن جرير بن عبد الله البجلي ـ أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سترون ربكم يوم القيامة؛ كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (2)، فلم يصح هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الأكثر من أصحاب رسول الله. وإن صح؛ فتخرج معناه أنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر - أي تعرفون ربكم اضطرار معرفة.
لا شك أن الله أخبرهم بكتبه المنزلة على ألسنة أنبيائه بما يكون من أمر القيامة. والأكثر من الناس لا يؤمنون بذلك يقينًا، فإذا عاينوا أمر القيامة تيقنوا معرفة الله وصدق وعده ووعيده وصار معهم الخبر عيانًا، والشك يقينا؛ كما يعاينون القمر ليلة البدر من صحة اليقين بمعرفته اضطرارًا؛ لأن معرفة الله جل في الدنيا باكتساب يقع فيها الاختلاف، ويعترض فيها الشك لمن يجهل ذلك.
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قوله: «نور أنى أراه» 109/ 1، حديث رقم
(178)
(2) البخاري: الصحيح، حديث رقم (7436)، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَيذٍ ناضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، 390/ 4.