الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٩الباب الرابع: أصل القضاء والقدر
الفتاة
249
142 الله يعلم أفعال العباد قبل الخلق
أجمعت الأمة أن الله لم يزل عالمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، وأعمالهم وأرزاقهم وإرادتهم وأعمارهم وأسماءهم وأسماء آبائهم، وما يأتون في ليلهم ونهارهم وطاعتهم ومعاصيهم.
وأجمعوا أن علم الله لا يبطل في خلقه، وأنهم لما علم منهم ماضون، وعلى ما أراد وشاء يعلمون.
وكل ما ظهر وجوده بعد عدمه من أصناف الخلائق فمن ملك الله تعالى فقد سبق به قضاءه وقدره، فالأرزاق مقسومة، والآثار محتومة، والأنفاس معدودة، والآجال محدودة، لا يستأخر شيء عن أجله ولا يسبقه، ولا يموت أحد دون أن يستكمل رزقه، ولا يتعدى ما قدر له). وإذا كان هذا هكذا، وكانوا لا يخرجون من علم الله، وأنهم لا يعملون
خلاف ما علم على ما علم وأراد وشاء (2).
الله.
إن الله قد علم ما العباد صانعون فيما كلفهم قبل أن يخلقهم، وإلى ما يصيرون هل إلى جنة أم إلى نار، فعلم من هو صائر إلى الجنة قبل أن يخلقه، ومن هو صائر إلى النار قبل أن يخلقه، وقد احتج عليهم بالكتب، والرسل، وابتلاهم بالأمر والنهي، فهم مبتلون فيما كلفوه؛ لا يستطيعون غير ما علم فمن علم أنه صائر إلى الجنة، عامل بالطاعة، فلا يستطيع أن يعمل بالمعصية، ولا أن يصير نفسه إلى النار، وكذلك من علم منه أنه صائر إلى النار عامل بالمعصية تارك للطاعة فلا يستطيع أن يعمل بالطاعة، ولا أن يكون من أهل الجنة؛ لأن العباد لا يستطيعون أن يكون منهم غير ما علم الله أنه كائن منهم
(1) الجيطالي: قناطر الخيرات، ج 1، ص 237.
(2) البسيوي الجامع، ج 1، ص 468
(3) الشقصي: منهج الطالبين، ج 1، ص 345.