الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨258
الفَقَل
الجزء الأول: علم أصول الدين
إن الله لم يجبر أحدًا على طاعة أو على معصية. قال أبو عبيدة: ما علمت أن الله عذب من عذب من خلقه إلا على ما سخطه منهم، ليس على رضى، لأنه يقول تبارك وتعالى: {اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ، فَأَحْبَطَ
أَعْمَلَهُم
[محمد: 28].
كان يقول أيضًا: إن الله أمر بالطاعة وأحبها ورضاها وزينها، فمن عمل بها الله والله المانّ عليه والله نهى عن المعصية وأبغضها وكرهها وقبحها، فمن عمل بها فبعلم الله، ولله الحجة عليه).
فبعلم
وليس الأمر على ما قالته المعتزلة في المعاصي: أن الله لم يشأها ولم يردها، ولم يخلقها، وإنما كانت من العصاة بلا مشيئة الله تعالى فيها، ولا إرادة، فإذا كان ذلك كذلك فقد كانت المعاصي في ملك الله وسلطانه كرها وغلبة، إذا لم يشأها الباري تعالى ولم يردها، ولم يخلقها حتى كانت، فعلى أنه تعالى قد عصي باستكراه، وهذا ما يرفضه أبو عبيدة.
زعمهم
إن الحجة لأبي عبيدة أن المعاصي لا تكون في ملك الله وسلطانه، إلا وقد شاء كونها مشيئة علم، وأراد كونها في ملكه وسلطانه إرادة علم لا إرادة أمر.
وإن كل شيء لا يخلو من أن يكون الباري تعالى قد علمه وشاءه، وإلا كان في ملكه ما لم يشأ كونه، وإذا كان في ملكه ما لم يشأ كونه مغلوبًا مقهورًا إذ كان في ملكه ما لم يشأ كونه في ملكه … فعلم أنه لا تكون معصية من عاص قط إلا وقد شاء الله كونها مشيئة علم لا أمر، وإلا كان مغلوبا يعصى باستكراه وغلبة (2).
(1) الكندي: بيان الشرع، ج 2، ص 83. (2) البسيوي الجامع، ج 2، ص 85 - 86.