موسوعة الفقه الإباضي عبد الله بن محمد السالمي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

الباب الرابع: أصل القضاء والقدر

الفلة

259

ويدلل ابن بركة على أن المعصية من العباد، لم يقض الله بها عليهم، فيقول: الدليل على أن المعصية لا تكون إلا من قاصد إليها قول الله جل ذكره: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]). روي أن رجلاً أن رجلاً من جهينة أو من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت ما يعمل الناس؛ ويكذبون فيه؟ أشيء قضي عليهم، ومضى عليهم في قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون مما آتاهم به نبيهم أو أكدت به عليهم الحجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال: يا رسول الله. فلم يعملون إذًا؟ فقال رسول الله: كل من خلقه الله لواحدة من المنزلتين فهمه لعملها» (2)، قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا * فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَنهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَنهَا﴾ [الشمس: 7 - 10]، فبيَّن الله لهم ما فيه النجاة، وما فيه الهلاك؛ فإذا عمل العبد بالطاعة - فبعون الله تعالى وتوفيقه ومنه، وإذا عمل بالمعصية - كان ذلك بعلم الله وحجته على العبد؛ لأن الباري - تعالى - قد تقدم إليه بهذا التبيين الذي بينه الله ـ تعالى ـ له، وهو هدي البيان لا هدي السعادة، قال الله تعالى: {وَأَمَا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) [فصلت: 17]، فهذي الله تعالى للخلق كلهم هدي، بيان وكل منهم يعمل باختيار نفسه لما يعمل من كفر وإيمان (3).

وليس معنى أن الله قضى على العبد بالكفر ثم يعذبه، أنه أجبره على ذلك، ولكن معنى قوله: قضى الله عليه أي خلق على يديه، قضى الله، أي: خلق الله الكفر، وكذلك قدر الله.

(1) ابن بركة: الجامع، ج 1، ص 165.

(2) صحيح مسلم حديث رقم (2650)، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، ص 1425.

(3) الشقصي: منهج الطالبين، ج 1، ص 350 - 351.