الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٣الباب الرابع: أصل القضاء والقدر
الفقاة
263
ويفسّر البسيوي قوله تعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186] بأنه من علم الله أنه لم يكن له هاد. ومن علم أنه يهتدي لم يضل بدليل قوله تعالى: {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 39].
ومن علم الله أنه يضل لم يهتد، ومن علم أنه يهتدي لم يضل، وهذا يدل أيضًا على أنه قد أراد وشاء ضلال من ضل عن الحق، وكذلك قد أراد أن يهتدي من اهتدى وأنهم لا يخرجون عما أراد الله منهم، ولا مخرج لهم من مشيئته فيهم وعلمه بأمورهم (1)
أما من زعم أن الله أراد الهدى ولم يُرد الضلالة، أو أن الله تعالى شاء الإيمان ولم يُرد الكفر، وأراد الطاعة ولم يُرد المعصية، فيكذبه قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ، يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] (2).
والله تعالى في هذا ليس بظلام لعبيده، فهو تعالى لم يُرد ظلمهم فيما دعاهم إليه، وإنما عاقب من لم يؤمن به، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46]، وأن ما أصابهم من عقاب أصابهم بمعصيتهم، وأن الله أصابهم بذلك بظلمهم وكفرهم. وما الله في ذلك بظالم لهم فيما أصابهم من العقوبة التي عاقبهم بها (3).
ولا يُقال حينئذ: إن الله أمر بالإيمان ولم يرده، ونهى عن الكفر وأراده، ويرى البسيوي أن هذا القول قول فحش وقبح من قائله، وتعالى الله وجل عن هذا، لأن هذه الصفة لا تكون صفة حكيم، ولا يصف الله تعالى بهذه الصفة
إلا جاهل.
(1) المصدر السابق، 1، ص 474. (2) المصدر السابق، 1، ص 476. (3) المصدر السابق، ج 1، ص 477.