الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧١الباب الخامس: أصل العدل الإلهي
الفقاة
271
عمل بها - فبعلم الله والله المان عليه بها، ونهى عن المعصية، وأبغضها ـ وكرهها، فمن عمل بها - فيعلم الله، ولله الحجة عليه.
وسأل رجل جعفر بن محمد، فقال له هل العباد مجبورون على العمل؟ فقال: إن الله تعالى أعدل من أن يجبر عباده على المعاصي ثم يعاقبهم عليها. قال: فمفوض إليهم؟ قال: هو أعزّ من أن يكون في ملكه سلطان. قال: فكيف هو؟ قال: هو أمر بين أمرين لا جبر، ولا تفويض)
فإن قال قائل: إن الله قضى المعصية على العبد؛ قيل له: نعم. خلق المعصية من مكتسبها، ونهاه عنها، وخلق الطاعة وأمر بها، وحث عليها، فإن قال قضى عليه الكفر، ثم عذبه بما قضاه عليه ـ قيل له: إن القضاء ينصرف على وجوه والذي يقال إنه خلق الكفر من الكافر قبيحًا مذموما، ولا تقول: إنه قضاه عليه بمعنى: أجبره على فعله اضطرارًا، ولا أمر به، ولا
رضيه منه.
وقيل: إن وفد نجران قالوا للنبي: يكتب الله علينا الذنب ثم يعذبنا،
فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]).
فالله تعالى يخلق الطاعة والمعصية، ويقدرهما، والعبيد مكتسبوهما؛ فمن أطاع الله فبتوفيق الله له وتأييده ونصره، ومنه عليه، وتسديده؛ فالله تعالى هو العالم بعمله قبل أن يخلقه، ويخلق عمله.
ومن عصى الله تعالى فبإجابته دعوة الشيطان له، ووسوسته له، وتسويل
الله
نفسه واتباعه، هواها واختياره سوء عمله ولله الحجة عليه، وهذا سر العظيم الذي لا يعلمه إلا هو، وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرُ
(1) المصدر السابق، ج 1، ص 339.
(2) الشقصي: منهج الطالبين، ج 1، ص 337.