الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٦286
الفَقَل
الجزء الأول: علم أصول الدين
ويرى الكندي كذب هؤلاء على الله، والله خالق كل شيء، وخالق الكفر والإيمان والطاعة والمعصية، والحركات والسكون وكل شيء، فهذا هو الإيمان بالقدر خيره وشره.
إلا أن الوارجلاني لا يطلق لفظ القدرية على اتجاه واحد، وإنما يضم إلى فرقة القدرية فرقة المجبرة، فيقول: إن القدرية هم كل من خاض في قدر الله، ولم يستسلم لقضاء الله، وهما طائفتان حائدتان عن سواء السبيل، أولاهما: المعتزلة، حرموا من خلق الله أفضله، ونحلوه أنفسهم، وهو الإسلام وإيمان التوحيد. والفرقة الثانية المجبرة، الذين نسبوا أفعال العباد إلى الله وعمل، ونفوها عن العباد، وأثبتوا أن الله تعالى أخذهم على ما لم يفعلوا، فنسبوا إليه الظلم والعدوان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، قال الله وكل: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 108]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 149 (2).
6
وينقد البسيوي هاتين الفرقتين، ويرى أن الأفعال خالية من هذا كله؛ لأنها لو كانت فعل رب العالمين ولم يعملها العباد، فيكون فعله دونهم. ولو كانت كسبه وكسبهم فتكون على الشركة وهذا غير صحيح؛ لأن الله ليس بمكتسب ولا فعله كسب ولكن أفعال خلقه كسب فبطل أن تكون شركة. ولم يفعلها العباد، ولم تكن خلقًا الله فيكون فعلهم وكسبهم دون أن يخلقها، فبطل ما اعتلوا به في هذه المسألة (3)، وقد بين الله ذلك في كتابه فقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96].
ويثبت البسيوي بهذا فساد مذهب الجبر، ويرى أن قائل هذا خارج مما نطق به القرآن قال الله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الحج: 10]
(1) الكندي: بيان الشرع، ج 2، ص 78.
(2) الوارجلاني: العدل والإنصاف، ج 2، ص 108.
(3) البسيوي الجامع، ج 1، ص 534