الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢١الباب الخامس: أصل العدل الإلهي
الفلة
321
وذلك أنه أمر واقع إليه في قلبه من قبل الله كل فصانه به حتى جاءه الحق في غار حراء، والدليل عليه قول عائشة أم المؤمنين: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء أيام رجب أتاه الحق وهو بغار حراء». وقالت المعتزلة: أمر أدركه بعقله من معرفة توحيد ربه، وما يقتضي العقد من مفروضاته. وقال بالوقف أهل الوقف.
وأجاز الآخرون الأمرين جميعًا، لكنهم لم يقطعوا على أحدهما، وقطع آخرون أنه ذاق الإيمان بدليل قول الله: {وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى)
الضحى: 7]، ويقول: مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ} [الشورى: 52] (1).
ع
ويذكر محمد بن محبوب رحم الله: أنه لا يجوز أن يقال: إن الأنبياء غير مسلمين، لأنهم أنبياء الله لم يزالوا عند الله، مسلمين، وهم له أولياء ولا أحد أن يقول: إن أنبياء الله ورسله كانوا عند الله كفارًا، وهم أصفياء الله قبل أن يخلقهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَعَالَ إِبْرَاهِيمَ وَعَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ * ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 33، 34] صفوته إياهم قبل أن يخلقهم. وأما قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيما فَتَاوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضحى (6، 7] يعني بذلك ضالاً عن النبوة
لم تأته بعد.
وستم دور
وكذلك في قصة موسى وفرعون، إذ قال لموسى: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعَلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَفِرِينَ) [الشعراء: 18، 19]. قال موسى الفرعون: ﴿فَعَلْتُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: 20] يعني من النبوة). وهذا يعني أن الأنبياء غير مذنبين قبل الرسالة.
(1) الوارجلاني: العدل والإنصاف، ج 1، ص 62 - 63.
(2) الكندي: بيان الشرع، ج 5، ص 98 - 99.