الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥الباب الخامس: أصل العدل الإلهي
الفقاة
325
صدقه
حتى بذلوا فيه مهج أنفسهم على إطفاء نوره وحاربوه، وحاربهم بمن أظهر الله دينه وتمت كلمته وأكمل دينه كما بلغ رسالة ربه وجاهد
حتى
في سبيله حتى أتاه اليقين).
يجتمع
فأما معجز القرآن فكفاية فيه إجماع الأمة من الآفاق أن الذي بعث بتهامة في مكة وأتى بهذا القرآن هو محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول من الله، ولا أهل الآفاق إلا على الصواب، فدل القرآن على صحة نبوة محمد (2). والقرآن دليل بنفسه معجز بعجيب نظمه، لا يقدر الخلق على أن يأتوا بمثله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به قومًا كانوا الغاية في الفصاحة، والعلم باللغة، والمعرفة بأجناس الكلام جيده ورديئه فشتم آبائهم وأسلافهم، وقبَّح أديانهم، وضعف اختيارهم، وهم أهل الأنفة والخيلاء والعصبية. وقرعهم بالعجز أن يأتوا بمثله، ومكنهم من الفحص والبحث والاختيار، وأمهلهم لمدة طويلة، وأعلمهم في إتيانهم بمثل الذي أتى به، في حسنه ونظمه ما يوجب إحقارهم، وإبطال قولهم، فبذلوا في إطفاء نوره، ودحض حدته أموالهم وأنفسهم، آباءهم وأبناءهم. ولم يعارضوا بما احتج به عليهم من كتاب ربه بأرجوزة أو بقصيدة، ولا بخطبة ولا رسالة، فصح بهذا لو أنهم قدروا على ذلك ما تركوه إلى بذل الأموال والأنفس.
وزعم قوم من أهل الكلام أن الحجة في القرآن، إنما هو بما فيه من الأخبار عن الغيوب، وأن الله جل ذكره منع العرب، وصرفهم عن معارضته، إلا أنه في نفسه معجز. أما القطب أطفيش فيرى أن الإعجاز بالإيجاز، والبلاغة والبيان والفصاحة، وبعدم كلال قارئه وملل، مستمعه وبخرق العادة في نظمه، وبالإخبار بالغيب
(1) البسيوي الجامع، ج 1، ص 444 - 445.
(2) المصدر السابق، ج 1، ص 448