الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٢١الباب التاسع: أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الفلة
521
وقد كتبت المذاهب الإسلامية في الخروج وتباينت مواقفها، بين محرم له مطلقًا وموجب له مطلقًا، ومجيز له بشروط، ولكلّ أدلته وحججه وتجاربه.
ولمفهوم الخروج عند الإباضية أحكام ثلاثة):
الحكم الأول: الخروج المحرم، وهو الخروج على الحاكم العادل المقيم للحدود، والحاكم بشرع الله وسُنَّة نبيه. وهو خروج محرم قطعا بإجماع فرق الإسلام كافة، لأن طاعة ولي الأمر واجبة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أُمر عليكم
عبد حبشي مجذوع الأنف، فاسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله» (2).
الحكم الثاني: الخروج الواجب، وهو الخروج على الحاكم المشرك المتسلط على أوطان المسلمين، مثل الاستعمار في القرون الماضية، والتسلط على المسلمين، فهذا حكمه حكم المشرك، يجب الخروج عليه وقتاله، وطرده
من ديار الإسلام، وهذا مذهب الأزارقة والصفرية والنجدات من الخوارج.
الحكم الثالث: الخروج الجائز؛ وهو الخروج على الحاكم الجائر باستعمال القوة، بعد استنفاد الوسائل السلمية لرده وكفه عن جوره، وهو جائز عند الإباضية بشرط التأكد من رجحان نجاحه، وعدم إفضائه إلى ضرر وفتنة أكبر. وبهذا الضابط يخالف الإباضية رأي من يقول بحرمة الخروج على ولي الأمر الجائر مطلقا، ففي هذا التوجه مفسدة للحكم من أساسه، ومجلبة للاستبداد، وفساد للأنظمة، وتاريخ الإسلام وواقعه طافح بالعديد من الأمثلة، وللإباضية تجربتها في المعارضة منذ النشأة فقد وقفت في الطرف المعارض للسلطة الأموية، وما أعقبتها من دول، فأثرت بذلك فكرها السياسي وفلسفتها في الدولة الإسلامية.
(1) أطفيش شرح النيل، ج 14، ص 311. وأيضًا الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج 2، ص 77.
(2) سبق تخريجه.