الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٢٩الباب التاسع: أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الفقلة
529
وأما تقية التوسع فهو أن يخاف على نفسه وعلى ماله، فإن شاء مضى على حقيقته ولم يعط من نفسه ما يُطلب منه، فإن نال شيء جاز الفضل، وإن سلم صبر على العدل.
وأما التقية التي لا تسع فهو أن يخاف على منزلته الانتقاص، وعلى عرضه الشتم وأن ينتقص به، فهذا ليس له فيه تقية).
والتقية عند الإباضية تنحصر في القول لا الفعل، إذ ليس لأحد أن يركب معصية الله وإن جبر عليها إلا أن يكون قولاً باللسان من غير أن يشرح به صدرًا فله أن يقول. وذلك أن المسلمين قالوا إنما التقية بالقول لا بالفعل. يذكر الكندي مذهب أصحابه قائلاً: «وعندنا إذا أخذ المجبور قهرا ولم يجد من القول محيدًا ولا مفرًا، وخاف على نفسه أن يعطب، أو على بدنه أن يُعذب، أو ماله أن يُسلب، وخاف الحبس أو القيد أو الضرب» (2).
ويؤكد الإمام الخليلي أن مذهب أصحابه في التقية جائزة في القول دون العمل (3).
وهناك من الإباضية من يرى أنها تصلح في القول والعمل. ويشير السالمي إلى رأي فخر الدين الرازي (606 هـ/1210 م) من الأشاعرة، ورأي ابن
بركة العُماني من الإباضية أنهما أباحا الفعل المكره عند الضرورة).
وذكر في «جامع» ابن جعفر أن أسيرًا وقع في أيدي أهل الشرك ودعي إلى النصرانية وقالوا له: إن لم تتنصر، قتلناك، ففعل، فأكل لحم الخنزير
(1) الكندي: بيان الشرع، ج 4، ص 171 - 172.
(2) المصدر السابق، ج 6، ص 120: 127. (3) الخليلي: تمهيد، ج 2، ص 299. (4) السالمي: المشارق، ص 575.