الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣مصادر الاستدلال عند الإباضية
الفتاة
13
الصحابة، وارتوى من معين النبوة، فكان جابر أشبه تلاميذ ابن عباس بابن عباس حيث أخذ منه الفقه، وورث المنهج الوسطي الجامع بين النقل والعقل. وقد تبنى فقهاء المدرسة الإباضية هذا النهج قديمًا وحديثًا، فقد بين ابن بركة دور النقل والعقل في استنباط الأحكام بقوله: التعبد مأخوذ من عقل متبوع وشرع مسموع، فالعقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل؛ لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه العقل، والعقل يتبع فيما لم يمنع منه الشرع، ثم يضع ابن بركة قاعدة عامة للفصل بين المقامين وهي أن الأحكام العقلية لا تكون أصلًا للأحكام الشرعية، ولا تشبه الأحكام الشرعية الأحكام العقلية.
ويقول السالمي في معارج الآمال ذهب جماعة من أصحابنا منهم بشير وأبو سعيد وابن بركة وصاحب الضياء وأبو يعقوب الوارجلاني إلى القول بتحكيم العقل عند عدم الشرع، لكن لا على الوجه الذي ذهبت إليه المعتزلة، فإن المعتزلة قالوا بتحكيم العقل على الشرع، فلا يصح عندهم أن يرد الشرع بخلاف مقتضى العقل، فإذا ورد ما يخالف عقولهم جزموا برده، وقد وضح معنى تحكيم العقل في قوله وأما ما ذهبت إليه هذه الجماعة من أصحابنا فهو أن العقل حاكم عند عدم الشرع، فيلزم من لم يسمع شيئًا من الشرائع أن يفعل ما يستحسن العقل فعله، وأن يترك ما يستقبحه العقل .. فهم يثبتون حكم العقل حيث لا شرع، وأما عند ورود الشرع فيوجبون الرجوع إلى أحكام الشرع … فبين ما ذهب إليه البعض منا وبين ما ذهبت إليه المعتزلة البون البعيد.
وقد نبه إلى هذا المنهج ـ أيضًا ـ الإمام أبو العباس الشماخي في قوله: لا يحكم العقل بحسن شيء ولا قبحه في حكم الله تعالى، بل الحاكم الشرع، وليس التكليف من جهة المصلحة.