موسوعة الفقه الإباضي عبد الله بن محمد السالمي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٥

القسم الأول: الكتاب (القرآن الكريم)

الفلة

35

ثم إنه لو كان مخلوقا كما زعمتم لم يخلو أن يخلقه الله تعالى في نفسه وفي غيره، أو يخلقه قائمًا بنفسه لا في شيء، ومعلوم أنه لم يخلقه عل في نفسه لاستحالة كونه تعالى محلا للأشياء، وكذلك لم يخلقه أيضا في شيء؛ لأنه لو خلقه في شيء لكان للمحل فيه اختيار واكتساب كما كان الاختيار والاكتساب للشاعر الذي خلق في قلبه، ولنسب إلى المحل كما نسب الشعر إلى الشاعر، فمستحيل أن يخلقه قائمًا بنفسه لا في شيء، إذ لا بد للمخلوق لمستند يستند إليه، فبطل بهذا أن يكون مخلوقا أيضا، والقرآن قول الله تعالى باتفاق بيننا وبينكم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82)، فلا يخلو أن يقول له حين خلقه إياه: كُن) بقوله الذي 82]، هو القرآن أو بقول آخر غير القرآن ومحال أن يقول الشيء لنفسه كن، ومعلوم أنه لم يقل: له كُن) بقول آخر غيره، إذ قوله تعالى واحد لا يتبعض ولا يتبدل، وقول الله هو كلامه وكلامه هو قوله والدليل على أن هذا القرآن هو كلام الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]، وكلام الله القرآن بلا شك، وقوله أيضًا وهو مسموع كما أن الكلام الذي سمع موسى - صلوات الله عليه وعلى محمد - هو كلام الله بغير شك لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، والذي يستدلون به من قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 3]، ليس ذلك بمعنى الخلق. والدليل على أنه ليس بمعنى الخلق قوله في آيات أخرى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57)، ومعلوم أنه لم يخلقوها له وإنما نسبوها إليه، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100]، وهذا كله بمعنى النسب لا بمعنى الخلق.