الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٢82
الفَقَل
الجزء الثاني: أصول الفقه الإباضي
فعل شيء فلا يدل هذا النهي على أن المنهي عنه لا يعتد به أصلا، وزاد أبو حنيفة من بين هؤلاء القائلين: إن النهي عن الشيء يدل على صحته، قائلا: إ: إنه لا يتصور النهي عن الشيء إلا بعد وجود ماهيته صحيحة هكذا، ومثل له بصوم يوم النحر، فعنده أن صومه صحيح لكنه غير مقبول؛ لما فيه
من النهي عنه، وبنى على كون صومه صحيحًا الاجتزاء بصومه للنذر.
ولا يلزم من النهي عن الشيء وجود ماهيته صحيحة على وفق ما ذكرتم، وإنما يكفي في النهي عنه تصور وجوده، وبذلك يصح الكف عنه، وبالكف عنه يحصل الامتثال فبطل ما زعموه من دلالة النهي على صحة المنهي عنه، وبهذا البطلان يسقط القول بالاجتزاء بصوم يوم النحر للوفاء بالنذر.
وذهب أحمد والشافعية والظاهرية وكثير من أصحابنا إلى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وسوغ أبو يعقوب الا الان كلا المذهبين، واحتج هؤلاء بأن العلماء لم تزل تستدل على الفساد بالنهي عن الربويات والأنكحة وغيرها، وبأن الأمر يقتضي الإجزاء، والنهي نقيضه، فيقتضي نقيض الإجزاء وهو الفساد. وذهب الغزالي والفخر الرازي وأبو الحسين إلى أن النهي يدل على فساد النهي عنه في العبادات دون المعاملات ودلالته على ذلك شرعية لا لغوية، لأن الفساد حكم شرعي لا تعقله العرب، فلا يصح أن يكون مقصودًا لها في وضع النهي، وأما في الشرع فلا إشكال في قصده، واستدلوا على وقوع ذلك شرعًا بأن العلماء ما زالوا يستدلون بالنهي على فساد المنهي عنه).
وإذا تأملت هذه الأقوال كلها، وطلبت الأرجح منها، رأيت أن الأرجح هو المذهب الأول، وهو أن النهي لا يقتضي الفساد مطلقا، وأن اقتضاءه في بعض المواضع، فذلك إنما هو لدليل خارج عن النهي لا للنهي
(1) طلعة الشمس 189/ 1 - 193.
نفسه.