موسوعة الفقه الإباضي عبد الله بن محمد السالمي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩

تقديم

الفقة

انغلق على ذاته للحفاظ على منظومته القيمية وخصوصيته الحضارية، والرأي عندي أن المذهب الإباضي لم يعرف في تاريخه هذه القطيعة المعرفية مع عصره ومذاهبه ومشكلاته، فهو ـ كما قلتُ ـ مذهب رسالي يعتبر الحفاظ على بقائه جزءًا من أمانة حفظ الشريعة، ومقاصدها، وهو مذهب اتصالي أشار إليه جون ولكنسون» بقوله: إن «البقاء يمثل أحد مواطن قوة الإباضية في قدرتها على التكيف مع خصوصيات المناطق التي نبتت فيها هكذا اتخذ نموها المبكر في عُمان قالبا يناسب الوسط القبلي ويدور حول طبيعة العلاقة بين القبيلة والدولة، فبينما ظلت أيديولوجيتها تهدف إلى استمرار الحكم الإسلامي الحق، مثلت كذلك تعبيرًا عن هوية عُمان الإقليمية، المنفتحة من جهة على تجارة المحيط الهندي والمتسمة من جهة أخرى بمجتمع قبلي هو شديد التعلق باستقلاله. ظهرت فيه في ذات الوقت مجموعة ضخمة من التشريعات التطبيقية، تمثل جانبًا مهما من تلك العملية في تكيف الفقه الإسلامي ليلبي الحاجة إلى تشريع بحري يوافق دور صحار المركزي في التجارة المتنامية عبر المحيط الهندي، وتمثل جانبًا آخر في تلبية حاجيات الزراعة العُمانية»، والذي لا شك فيه أن ما بين أيدينا من التراث العُماني المبكر وهو في الدرجة الأولى فقه نوازلي يجعلنا نقرأ الفقه الإباضي في حالة حركة متجاوزا حالة السكون التي ظلت عبر مراحل زمنية طويلة عقبة أمام تطور الفقه الإسلامي وتفعيل مرونته الرحبة نحو «عصرنة» الأنظمة الفكرية والسياسية والاجتماعية. وإذا كانت الموسوعات الفقهية وإصدارها من الأعمال التي يتطلبها الواقع، وتفرضها الثقافة السائدة، فإن صدور موسوم رعة فقهية إباضية تعتبر واجب الوقت؛ لأن أغلب الدراسات العربية والاستشراقية هي تأريخ للجماعة الإباضية في مسيرتها بين الظهور والكتمان، أما العقل الفقهي الإباضي فلا يزال بعيدًا عن الدراسة العلمية الجادة واستبدلت به المصادر التاريخية التي يفسدها الاختصار، وينقصها الغربلة والتحقيق إن الفقه الإباضي - بطبيعته الرسالية والاتصالية ـ هو فقه حضاري به تُعرف أحوال البلاد والعباد، ولا يمكن التأريخ له من كتب السير والمشايخ وإنما من خلال المدونات الفقهية - متونا وشروحا ونوازل، ورغم