الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٥القسم الثالث: الإ.
الفقاة
325
وخالف آخرون في المقام الثاني، فزعموا أن الإجماع وإن صح في ذاته لكن العلم بأنه إجماع ممتنع، واحتجوا على ذلك بأنه لو صح الإجماع لكان إما عن دليل قاطع، وإما عن دليل ظني، فإن كان عن دليل قاطع وجب أن ينتهي نقله إلينا كما انتهى إليهم، وإن كان عن دليل ظني منع الاتفاق على مضمونه لاختلاف القرائح.
وأجيب بأن ذلك ممنوع في الطرفين إذ قد يستغنى بالظني عن نقل القطعي وقد يكون الظني جليا.
وخالف غيرهم في المقام الثالث، فمنعوا من صحة نقله إلينا بعد تجويزهم إمكان وجوده وإمكان الاطلاع عليه في زمانه، واحتجوا على ذلك: نقله بأنه لو قدرنا حصول إجماع السلف على حكم فإن العادة تقضي بمنع إلينا وحصول اليقين لتجويزنا خفاء بعض أهل ذلك العصر لحادث إما مرض أو أسر .... ولو سُلّم فنقله مستحيل عادة، لأن الآحادي لا يفيد والتواتر يفيد. وأجيب بأننا لا نسلم بهذه الأمور، فإنا قاطعون بتواتر النقل بتقديم النص القاطع على الظن، ولا نعتد بالنظام وبعض الخوارج وبعض الشيعة، هكذا ذكره ابن الحاجب.
وحاصل الجواب: أنه قد نقل إلينا إجماع الصحابة على تقديم الدليل القطعي على الدليل الظني، فعلمنا من ذلك إمكان نقل الإجماع، فلا وجه للقول باستحالة نقله (1).
فإن قال قائل: كيف يستقيم الإجماع ممن لا يحيط خبرا أو يتعذر اجتماعهم كما تعذر تصفحهم واحدًا واحدًا؛ لأنهم قد افترقت أوطانهم ونأت بلدانهم ولا يتسع العمر لملاقاتهم وتتعذر معرفة اعتقاداتهم ويبطل الإجماع
(1) طلعة الشمس 117/ 2 - 119.