المصنف أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

المقدمات والجزء 1

الجزء ١ · صفحة ٥٤

54

المصنف

المجلد الأول

16 - شكر واعتذار

كنت أحسب الكتاب عذق تَمر، فألفيته جبل صخر، ولكنه صخر أثمن من الدر، تنقضي دونه الأعمار، ولا تنتهي منه الأوطار سعيت أن أبرزه لامعًا كالإبريز، فوجدت المرام مني جد عزيز، ولئن أرهقني اجتياز هذه المفاوز، فقد عدت منها بحمد الله خير كاسب وفائز.

وعند الإياب بالغنيمة فإن مقام الإنصاف يقتضى أن تكون أول كلمة يستهل بها هذا العمل العلمي الميمون أن يرفع العبد إلى المولى أكف الضراعة شاكرًا الله فضله ونعماءه، وما أسبغ من جزيل المنن، وأفاض من التأييد والمدد، حتى استكمل هذا العمل مسيرته، واستقام مصدرًا

واسع للفقه ينير للناس الطريق.

لقد سعدت بصحبة كتاب المصنف خمس سنوات مباركة، كانت بحق مضنية ممتعة أرهقت وأرّقت، بيد أنها أسعدت بما أثمرت. كانت ساعات تتصل وتنفصل، تقصر أحيانًا فلا تتجاوز ساعة يسنح بها الزمن على عجل، وتمتد أيامًا من الفجر إلى منتصف الليل بلا كلل، يحدو المرء فيها كبير الأمل أن

طوالًا

يرى هذا العمل النور، فيغدو بفضل الله معينًا للهدى، وموردًا للأجور.

وليس بدءًا بين الأعمال، ولا منكرًا من الأقوال ولا سرا تفشيه الرجال، أن أذكر أن المرء وهو يكابد لأواء السفر في مفاوز الكتاب، كانت تنتابه أحيانًا هواجس قاتمة؛ خشية أن يتعثر السيرُ؛ وتقف دون المنى عقبات كأداء، فتقطعه الشواغل عن بلوغ قمته الشماء، بيد أن الثقة بالله والعزم والتوكل عليه كانا أكبر الدوافع لاجتياز هذه المراحل، حتى اكتمل العمل وساغ أن يُقدَّم للناس، موردًا للظامئين، ومنارة للسالكين.

وليس جديدا كذلك أن يردد المرء مقالة العماد الأصفهاني: «إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتابًا في يومه إلا قال في غَدِهِ: لوُ غَيرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد