الجزء الثالث والرابع
الجزء ٣ · صفحة ١٧٢172
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى/ج 3
قال: وظاهر النهي تحريم التصرية سواء قصد التدليس أم لا، وبه جزم البعض، واختلفوا في علة ذلك، فقيل: نهى عنه لئلا يؤذي الحيوان، وقيل: لئلا يغرّ المشتري بالتدليس عليه وهو ظاهر كلام المصنف الله وعليه الأكثر، ووقع في رواية النسائي: «لا تُصرّوا الإبل والغنم للبيع»، وأجيب عن التعليل بالإيذاء بأنه ضرر يسير لا يستمر فيغتفر لتحصيل المنفعة، وزاد الشيخان وأحمد في حديث الباب «فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر».
واستدل بهذه الزيادة على صحة البيع مع ثبوت الخيار للمشتري وردّ الصاع من التمر في مقابلة ما أخذ من لبنها (1).
وقد أخذ بهذا الحديث الجمهور من الإباضية والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية. وخالف فيه الحنفية إلَّا زُفَر.
واحتج الحنفية بأن الحديث خالف قواعد الرد بالعيب، قالوا: إن قواعد الرد بالعيب أن التالف يجب ضمانه بمثله إن كان مثلياً أو بقيمته إن كان
قيمياً، والتمر ليس مثلاً للبن، وليس نقداً ليكون قيمة له.
والجواب عند الجمهور من وجوه:
الأول: أن هذا الحديث بلغ درجة التواتر، فقد روي عن أكثر من عشرين من الصحابة.
الثاني: ما ذكره الحنفية اجتهاد في مقام النص وهذا لا يصح.
الثالث: أن صاع التمر لا يتعيَّن، ولكن يتعين قوت البلد قياساً على زكاة الفطر، وقال بعضهم: هو مخير بين صاع من بُرّ أو صاع من تمر. وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وهو قول زفر.
(1) «شرح الجامع الصحيح 148/ 4، وحاشية الترتيب» 129/ 3.