الجزء الثالث والرابع
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٩الفصل الثاني عشر: في المسائل التطبيقية
209
فقد بينت الآية أن حكم المحارب القتل والتصليب، والقطع، والنفي: فمن قَتَلَ قُتِلَ، ومن أخذ المال قطعت يده اليمنى من الكوع، والرجل اليسرى من المفصل، ومن اقتصر على إخافة السبيل نفي من الأرض، ومن أخذ المال وقتل صلب. واختلفوا في معنى النفي في قوله تعالى: أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. فقال سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز أن يطالبهم الإمام ليقيم عليهم الأدب أو النكال والتعزير بحسب ما يظهر له فيهربون، وكلما وصلوا بلداً جرى فيها حكمه طالبهم منه فلا يُؤَمَّنوا في بلد فإن تمكن منهم أخرج منهم
الحق.
وقال ابن عباس والليث بن سعد والشافعي ينفيهم بالإقصاء إلى البلاد البعيدة، فقيل: إنهم ينفون من الأرض التي فعلوا فيها المعصية إلى (دهلك) بلد بأقصى تهامة و (ناصع) من بلاد الحبشة حتى تصح توبتهم.
وقال أبو حنيفة: النفي هو الحبس؛ لأن المحبوس نفي من الأرض كلها إلا موضع حبسه كالميت في قبره، وتبعه الكوفيون في ذلك وحكي عن عمر بن الخطاب أنه أول من حبس، وقال أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه إلى بلد آخر فيؤذيهم).
(قلت): وهذا موافق لمقصود الشارع من حكم الحرابة وهو أن يحافظ على أمن البلاد والعباد بالمحافظة على الدماء والأموال والأعراض، وهؤلاء المحاربون خطر على الناس أينما حلُّوا وفي حبسهم وجعلهم في قبضة الإمام تحقيق لمقصد الشارع في الحفاظ على النفوس والأموال، والأعراض. قال العلّامة أطفيش بعد تفسيره لهذه الآية بما ذكرت: «وتفسير الآية بما
(1) «هميان الزاد 296/ 4.