الجزء الثالث والرابع
الجزء ٣ · صفحة ٢١٢212
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى/ج 3
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أو أكثر ما يخافُ على مطيها السرق». وهذا فخر لهذه الشريعة في إرساء الأمن بما شرعته من تدابير وقائية تتمثل بالحدود والقصاص والتعزير، وقد تواتر إلى آذاننا أن الكهرباء إذا قطعت في أمريكا فإن أعمال السطو والسرقة والإجرام تصل إلى مئات الوقائع وصدق الله تعالى إذ يقول: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].
المطلب الثالث: في حد القصاص بالنفس
ومن التدابير الوقائية التي شرعها الله لعباده تحقيقاً للحياة الكريمة وصوناً للنفوس: حدّ القصاص، وقد عبّر القرآن عن حكمته فقال: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُوْلِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179].
وهذه الآية من أحسن الكلام وأرقى البيان، وكانت العرب تقول: القتل أنفى للقتل (3). فجاء كلام الله أوفى بالبيان وأشد في الاختصار هذا من جهة، ومن جهة أخرى: إن قولهم: القتل أنفى للقتل، ظاهره يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال وقوله في القصاص حياة ليس كذلك؛ لأن المذكور نوع من القتل وهو القصاص (3).
مَن الذي يتولَّى القصاص:
الذي يتولى القصاص هو الحاكم، أو الإمام أو بأمر الذين قاموا بالأمر فإليهم ذلك لأنه حق في حد ولا يقيم الحدود غير أولى الأمر، لقوله
(1) سنن الترمذي: 53/ 5، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي.
(2) «تفسير البغوي» 210/ 1.
(3) «تفسير الرازي 229/ 5.
(4) «جامع أبي الحسن البسيوي» 259/ 1.
بيروت، 1998