الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٥الفصل الأول: في تعليل الأحكام في الشريعة
115
وقال أبو حنيفة بعدم عود الاستثناء إلى بقية الجمل؛ لأن عوده إلى الأخيرة يقين وعوده إلى بقية الجمل مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك. فالذين ردوا شهادة المحدود قالوا: إنَّ علَّة قبول الشهادة: العدالة وقد
زالت بالقذف.
والذين قبلوا شهادة المحدود قالوا علة قبول شهادته العدالة وقد عادت إليه بالتوبة وزال عنه المانع من قبولها وهو الفسق (1) وهكذا ارتبط الحكم
بعلته.
المسألة السادسة والعشرون: جمع عمر الناس على صلاة التراويح: لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة التراويح بجماعة خوفاً من أن تفرض على أمته، وهذا مقصد عظيم من مقاصد النبي صلى الله عليه وسلم وهو رحمته بأمته الذي شهد له به القرآن الكريم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ومثله أنه حرم المدينة بالذي حرمت به مكة، لكنه لم يجعل صيدها فدية رحمة بأمته.
في
فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عمر المحدَّث الملهم أن المسلمين يصلون التراويح أوزاعاً متفرقين، فنظر بعقله النير وفكره الثاقب إلى أن العلة التي لأجلها ترك النبي صلى الله عليه وسلم صلاتها في جماعة قد زالت بموته. ولم يعد يخشى أن تفرض على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبي بن كعب أن يصليها في جماعة، ولما سئل عن ذلك قال: بدعة ونعمت البدعة هذه. وذلك؛ لأن العلة التي منعهم النبي صلى الله عليه وسلم بسببها قد زالت (ولما زال المانع
عاد الممنوع).
(1) انظر: «أحكام القرآن لابن العربي 247/ 3 دار الكتب العلمية، بيروت.