مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث والرابع

الجزء ٣ · صفحة ٣٢١

الفصل الثاني عشر: في المسائل التطبيقية

321

خاص وهو قضية وقعت عند اليهود في زمنه فالتخيير عند هؤلاء في تلك القضية بعينها لا فيها وفي غيرها.

وقال آخرون: «إنها عامة في كل من جاءه من الكفار ليحكم بينهم وقد سجل القرآن الكريم موقفاً رائعاً في العدل والإنصاف مع اليهود في المدينة في قصة أحد المنافقين الذي سرق درعاً ولما كاد ينكشف أمره رماها في بيت يهودي، ثم جاء يتظلم من المؤمنين الذين رموه بالسرقة، ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل ويخاصم عنه فلما همَّ النبي بالدفاع عنه نزل القرآن في تبرئة اليهودي وفضح ذلك المنافق.

فقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَابِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلَا

تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ يُحِيطًا * هَتَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا}

[النساء: 105 - 109].

هذا التعقيب الشديد الذي عقب به القرآن الكريم على تعاطي النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده في هذه القضية يصور لنا المنهج الفريد الذي ربى الله عباده المؤمنين عليه وهو وحده الكفيل بإنقاذ البشرية من وهدتها ومن المستنقع الآسن الذي كبت فيه البشرية بعيداً عن منهج الله تعالى إنه منهج يربى أصحابه على العدل والإنصاف وسياسة البشرية بسياسة العدل بعيداً عن السياسة الكيدية ونفي الآخر بدعوى النقاء والتطهر من أوضار الشرك وأهله.

(1) «جوابات الإمام السالمي 51/ 5.