الجزء الثالث والرابع
الجزء ٣ · صفحة ٣٨٤384
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى/ج
ذلك كل من مكي بن أبي طالب القيسي، والشاطبي، والقاسمي والدهلوي، وقد بينت ذلك في كتابي «القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول».
لذلك قال الإمام الرازي حمدالله: ليس في الآية نسخ فإن الآيتين متوافقتان وكلتاهما يدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء)، يقصد الفخر رَدَّ دعوى نسخ الإثخان بالمن والفداء.
(قلت): ولا نسخ أيضاً لحكم المَنِّ والفداء بوجوب القتل في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: 57] وذلك لعدم التعارض وبيان ذلك أن الله تعالى ذكره قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَتَخَنَتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4]. هذا الحكم ليس في الأسرى وإنما في المحاربين قبل أسرهم، وقد غيا الله القتال إلى حصول الإثخان في جيش
العدو، وقبل الإثخان لا يجوز اتخاذ الأسرى فهذا حكم ما قبل الأسر. فإذا حصل الإثخان والقتل والجراح جاز لهم أن يأسروا لقوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67].
فإذا حصل الأسر. كان الإمام مخيراً بين الفداء بالمال ونحوه أو مبادلتهم بأسرى المسلمين، أو نحو ذلك من مصالح يراها الإمام كما رأى رسول الله أن يعلموا أطفال المسلمين الكتابة.
أو المن عليهم بلا، فداء، أما قوله تعالى: ﴿فَشَرِدْ بِهِم مِّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: 57، وقوله فضرب الرقاب فليس ذلك ناسخاً بل هو في أثناء الحرب قبل اتخاذ الأسرى فلا يوجد بين هذين النصين تعارض وهما حكمان مختلفان زمناً وموضوعاً فليسا من الناسخ والمنسوخ في شيء.
(1) «هميان الزاد» 415/ 5.