الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٥الفصل الثالث: في ضوابط المصلحة
215
فأجابهم: «إن الله هو الخافض الرافع المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم عليَّ مظلمة في ماله أو دمه) قد بنى موقفه على صلاح العصر
متكئاً على دين التجار وصلاحهم فكانت المصلحة تقتضي ترك التسعير. لكن لما فسد الزمن وظهر الطمع والجشع أفتى المتأخرون بجواز التسعير؛ لأنهم نظروا إلى أن تصرف النبي البني على مصلحة وهي عدم الإضرار بالتجار الذين ظهر صلاحهم ودينهم، لكن لما ظهر الجشع في التجار رأى المتأخرون أن المصلحة تقتضي التسعير حفاظاً على مصلحة المستهلكين من الناس، وهذا من باب قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (3). وقد نص الأصوليون والفقهاء على تغير الأحكام بفساد الزمان، فمآل التسعير ترجيح مصلحة معتبرة على مصلحة أخرى وتصرفُ النبي في ترك التسعير بمقتضى الإمامة والسياسة في أحكام السوق. وهذا له شواهد كثيرة فليس من باب معارضة النص للمصلحة لأن المعارضة لا تحصل إلا باتحاد الزمان والمكان فإذا اختلف الزمان والمكان فلا تعارض. فعصر الرسول غير العصور المتأخرة فهذا حكم في عصره وذاك حكم في عصره، وهذا حكم في مكانه وذلك حكم في مكانه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقطع في الغزو واعتباراً بالمكان.
وهذه مسائل معروفة وقد نصت القاعدة على ذلك، فقالت: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، وقد قال شارح المجلة (3): «أراد بالأحكام ما يلزم بناؤه على العرف والمصلحة».
كما في هذه المسألة، والحكم يدور مع الحكمة حيث دارت.
(1) الحديث في «سنن أبي داود» باب في التسعير رقم الحديث (3451). (2) «الفروق» للقرافي،179/ 4، و «البحر المحيط» (220/ 1، و «الفكر السامي» للحجوي 72/ 1. (3) «دير الحكام لعلي حيدر أفندي المادة (39).