الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٢352
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 1
وقد حرَّرتُ هذه المسألة تحريراً دقيقاً بالأدلة والأمثلة في كتابي
«القاعدة الكلية: إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول». وهذا يدل على أنهم عرفوا النسخ وعقلوا معناه في الجملة ولم يعرف
عن
أحد
منهم
شبه المنكرين
إنكاره.
احتج المنكرون للنسخ بشبه واهية منها قوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42].
وبقوله تعالى: كِتَب أَحْكِمَتْ آيَتُهُ … الآية [هود: 1].
كما أنهم قالوا: إن النسخ يلزم عنه البداء، وهو ظهور ما كان خافياً على الرب جل جلاله وهذا باطل وما أدى إليه يكون باطلاً.
مناقشة هذه الشبهات
ناقش جمهور الأصوليين هذه الشبهات على النحو التالي:
قالوا: إن المراد من قول الله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ .... الآية: إن الضمير هنا عائد على جميع القرآن وليس على بعضه ونحن لا نجيز نسخ جميع القرآن. على أننا لا نسلم أن النسخ نوع من الباطل، وإنما المراد من تفسير الآية أن هذا الكتاب لا يأتيه ما يبطله من الكتب بعده ولم يأته ما يبطله من الكتب قبله. أما قوله تعالى: كِتَبُ أُحْكِمَتْ آيَتُهُ) المراد هنا الإحكام العام الذي يقابله التناقض، ولئن سلم بأن المراد الإحكام الخاص، فإنه محمول على غالب القرآن فالغالب فيه محكم وليس بمنسوخ
(1) من ص 399 إلى ص 418.