الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٥١الفصل الثامن: في القواعد الفقهية المتعلقة بالمصلحة
451
يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 150].
وقال في موضع آخر من سورة (طه) حكاية عن هارون: {يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذُ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُب
قَوْلي) [طه: 94].
وهنا الشاهد فقد تصرف هارون بمقتضى المصلحة فإنه رأى إبقاءهم على عبادة العجل إلى حين رجوع أخيه موسى أولى وأكثر مصلحة من قتالهم بمن بقي معه؛ لأن القتال يؤدي إلى الفرقة والفرقة أخطر على الأمة من انحراف عن عبادة الله في برهة محددة من الزمن، وعلى كل حال فقد وازن هارون بين المصلحة والمفسدة وعمل بالمصلحة.
وقد علق العلامة أطفيش بالله على هذه الآية بقوله: «وفي ذلك دليل على جواز الاجتهاد» ()، ومراده الاجتهاد في تحقيق المصلحة وهو ما يسمى بتحقيق المناط.
وقال أيضاً: إني خشيت لو قاتلتهم بمن معي أو فارقت بعضهم ببعض أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)؛ أي: أمري لك: إخلافي
في قومي وإصلاحك وحفظ الجماعة عن التفرق حتى أرجع).
وذكر الشيخ بيوض: «أن الحامل لهارون على تركهم وعدم قتالهم هو خوف الفتنة وإراقة الدماء (3)، قلت: وهو تصرف بمحض المصلحة. أو موازنة بين مفسدتين عبادة العجل إلى حين يرجع موسى والثانية حصول
(1) «تيسير التفسير.135/ 6.
(2) «هميان الزاد» 277/ 8.
6
(3) «مختصر تفسير الشيخ بيوض» 320/ 1.