الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥الفصل العاشر: التعريف في قصد الشارع
25
ـ وعن ابن عباس ما قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم
ويصوم.
فقال النبي: مزه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه». قال العلامة أبو ستة: «وفيه الحث على الرفق في العبادة وعبر بما يدل على السير لأن العابد كالسائر» (3).
أما من الإجماع:
فإن الأمة مجمعة على أن هذه الشريعة المباركة موضوعة على قاعدة اليسر دفع الحرج، لم يخالف في ذلك أحد يعتد بخلافه وأن الغلو والتنطع ليس من دين الإسلام ولا من سُنَّة خير الأنام وهو القائل: «إني لأتقاكم للهِ وأخشاكم له وإني لأنام وأرقد وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني
قال ذلك لامرأة عثمان بن مظعون لما تذاكر وأصحابه القيامة وبكوا وحرموا على أنفسهم طيبات الطعام والشراب واللباس والجماع وهموا أن يقطعوا مذاكيرهم ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض فلم يقرهم النبي على هذا المنهج المنحرف عن منهج الشريعة السمحة.
ومع كل هذه الأدلة التي وصلت إلى درجة القطع فقد نبتت في الأمة نابتة اتجهت إلى التشدد والغلو والانحراف عن الاعتدال والتوسط فشوَّهت وجه الدين المشرق المضيء وأساءت للإسلام الحنيف السمح وخرجت عن الاعتدال في سلوكها، وفي خطاباتها، وفي أخلاقها، وفي تعاملها مع
(1) (صحيح البخاري باب النذر فيما لا يملك وفي معصية ح (6074) /143.
(2) «حاشية الترتيب 170/ 4.
(3) «غاية المطلوب في الأثر المنسوب» 210/ 1.
الناس.