الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٢72
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 2
وما نزل بالمدينة وحكمه في أهل مكة كما عرفوا الآيات المدنية في السور المكية والآيات المكية في السور المدنية، وفسروه كأنما نزل
عليهم.
ثم بعد العصور الثلاثة المباركة ظهرت في الأمة ظاهرة عجيبة ونبتت فيها نابتة غريبة فسرت القرآن تفسيراً يوافق أهواءها ويشد سدى عقائدها ويروج لأفكارها فظهر ما يسمى بالتفسير الإشاري، والتفسير الصوفي، والتفسير الباطني وهو أخطرها، لأنه ألغى وضع اللغة وصار الباطن محل الظاهر، وربّما زينوا بدعتهم بما روي في الحديث من أن القرآن له حد وفصل، وظاهر وباطن.
وبعضهم فسره طرداً وعكساً يقصد أن ما نزل في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يمكن أن يراد به ناس معاصرون كما قرأت رسالة صغيرة عنوانها: (الخميني في القرآن) من تأليف الملحق الثقافي الإيراني في دمشق حيث نزل آيات في النبي على الخميني مثل قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ [المدثر: 1]؛ أي: المختبئ في العراق وهو الخميني، قُرْ فَأَنذِرْ [المدثر: 2]؛ أي: بالثورة. وبعضها أنزلها على الشاه كقوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ» قال: هو نبأ هبوط طائرة الخميني في طهران، {فَذَلِكَ يَوْمَذٍ يَوْمُ عَسِيرُ * عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِير [المدثر: 9 - 10]؛ أي: على الشاه وأعوانه، والرسالة كلها كذلك.
وهكذا تلاعبت الأهواء في تفسير كتاب الله. ولما كانت هذه الشريعة وضعت للإفهام، وكانت اللغة العربية واللسان العربي هو أداة الإفهام والتعبير لم تقبل من تفسير كتاب الله إلا ما كان جارياً على أسلوب العرب في الخطاب؛ لأن أي تفسير آخر يؤدي إلى إهمال الوضع وإلغاء اللغة وإلى تكذيب الرب جل في علاه الذي يقول: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْآنًا