مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩٧

الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد

97

وهذا يسري في مجال أحكام الشريعة فإن الشريعة ركزت على الأصول ثم الفروع، وجعلت من الأصول فروعاً وأصولاً، ومن الفروع ما هو مطلوب أصالة وما هو مطلوب تباعاً، وقد رسم المعلم الأول خطوط فقه الموازنة منذ اليوم الأول، فركز على أصول العقيدة في مكة فربى اللبناتِ الأولى على الإيمان بالله تعالى والصلة بالملأ الأعلى وإبراز خصائص الإنسان العليا. فكانت السور المكية تعمل فيهم تربية وتعليماً وإرشاداً وترسم لهم الآفاق العريضة لهذا الدين وتربي فيهم ملكة الخوف والرجاء لتنشئ منهم ذلك الجيل القرآني الفريد الذي تربى على الأخلاق والعقيدة الإيمانية الحقة التي صاغت منهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.

حتى إذا انتقلوا إلى المدينة جاءت مرحلة التشريع وبيان الأحكام؛ لأن الشريعة والأحكام والحدود تحتاج إلى سياج وحارس يحرسها والعقيدة هي السياج والحارس الأمين، وسوف يتضح هذا الأمر عند الكلام على فقه الأولويات في الكتاب والسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.

لذلك فإن الأمم التي يختل فيها فقه الأولويات وفقه الموازنات هي أمة مضطربة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وهي أمة تنتظر الموت. لذلك فإن فقه الموازنات أو فقه الأولويات من الأمور الضرورية والحلول البدهية التي تقوم عليها مصالح الأمم والشعوب. وسياسات الدول الكبرى وفي مقدمتها أمريكا والمنظومة الأوروبية تراعي في سياساتها سياسة المصالح على وفق ميزان الأولويات، فسياستها حيث تتحقق مصالحها الاستراتيجية.

فمصالحها قبلتها ودينها وديدنها الذي تدين به وتدندن حوله.