مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١١١

الفصل الحادي عشر: في الموازنة بين المصالح والمفاسد

111

المبحث السادس

أصول فقه الموازنة في الكتاب

من استقرأ كتاب الله تعالى وجد كثيراً من الآيات التي تشير إلى عملية الموازنة وتبني الأحكام على وفق هذا المنهج السديد.

من هذه الآيات قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

ما

هذه الآية تشير إلى عملية الموازنة بين تكاليف القتال الذي تزهق فيه الأرواح وتقطع فيه الأشلاء ويلحق بأهله التعب والنصب والبعد عن الأهل والولد وهو ما عنته الآية بأنه كره وبين ما يؤول إليه القتال من رفعة للدين وصون للمقدسات وحرمة للحرمات والأعراض، وقد بيّن الله أن الإنسان قد يكره يعود عليه بالنفع المحض، وفيه ترجيح لجانب مصلحة القتال لحفظ الدين على مصلحة حفظ النفس والمال بترك القتال والخلود إلى الراحة والدعة وهذا ما عنته الآية بأنه خير فالموازنة بين المصالح والمفاسد حالاً ومآلاً واضحة. وقد علّق العلامة أطفيش على هذه الآية بقوله: «وأمر الله ونهيه كلها مصلحة للعبد والله يعلم كل شيء فهو عالم بما يصلح لكم وأنتم لا تعلمون إلا ما علمكم فبادروا إلى ما أمرتم به وإلى ترك ما نهيتم عنه فليس ينهاكم عما هو خير لكم ولا يأمركم بما هو شر لكم) (1).

المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿قَولٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أذى﴾ [البقرة: 263] وهذه آية تشير إلى الموازنة في باب الأخلاق والآداب،

(1) «تيسير التفسير» 250/ 1.