الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١٢112
مقاصد الشريعة بين المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى /ج 2
فقد يكون منع الفقير من العطاء بالكلم الطيب اللطيف أعظم في ميزان الله من إعطائه مع المَنِّ والأذى الذي تأباه كرامة الإنسان.
وقد بين الله تعالى أن المنَّ يذهب بالحسنات كما يذهب المطر الشديد بالتراب العالق على الحجارة، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنْ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابُ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلدَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: 264].
يقول الشيخ المراغي: قرَّرت هذه الآية مبدأ عاماً في الشريعة، وهو «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهي من قواعد فقه الموازنات في
الشريعة.
والموازنة تظهر في المقابلة بين هذه الآية وبين التي تليها وهي قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: 265] الآية، فالمفاضلة ظهرت بين الفريقين.
المثال الثالث: قوله تعالى: (إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271].
ففي هذه الآية موازنة بين إسرار الصدقة وإبدائها فقد وازن القرآن بين إخفاء الصدقة، وإبدائها، وخيَّر العباد بين الأمرين فوصف إبداءها بالفعل الدال على المدح (نعم) هي) فالفعل الجامد (نِعْمَ) يدل على المدح فإبداء
(1) «تفسير المراغي 33/ 3 وانظر: «فقه الموازنات ص 55 رسالة دكتوراه، ناقشتها للطالب المميز عمر محمد جبه جي في جامعة الجنان، وانظر: «التفسير الميسر» للكندي 133/ 1.